في ظل أوضاع إقليمية متوترة، يبرز الحوار الوطني في موريتانيا كخيار استباقي لتعزيز الاستقرار، رغم ما يواجهه من تحديات تتعلق بالقضايا الدستورية الحساسة، وهو ما يجعله اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين السياسيين على تغليب منطق التوافق على حساب الخلاف.
في مقال عن "غزوة فنزويلا" نشر أخيرا قلت بفخر واعتزاز إن الرئيس الأمريكي ترامب تلميذ لنا نحن الموريتانيين! وما كان ليفعل ما فعل في تلك الدولة في هذا العصر لولا ما أخذ من جذبنا، وفيضتنا، وعلومنا السياسية، وعاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية.
لم يصدقني بعضكم رغم وجود حقيقتين بارزتين هما:
إيران وسراب الفارسية: عندما يزوّر الغرب التاريخ لتجنب حقيقة تزعجه
هناك سردية تنتشر بكثرة في وسائل الإعلام الغربية، ومراكز التفكير الجيوسياسي، وحتى في بعض الأوساط الأكاديمية: إيران تقاوم، إيران تصمد، إيران تفاجئ… ويُقال إن تفسير هذا “اللغز” يكمن في عظمة الحضارة الفارسية القديمة. كورش الكبير، برسبوليس، داريوس، خشايارشا… يتم استحضار أشباح العصور القديمة لتفسير الحاضر.
هذه السردية غير نزيهة فكريًا، ومزوِّرة تاريخيًا، وموجَّهة سياسيًا.
تحولات المنابر السياسية في موريتانيا: قراءة نقدية في اختلال التوازن الهوياتي وإعادة توجيه الدولة
مقدمة : ==
تُظهر التجربة السياسية في موريتانيا أن بناء الدولة لم يكن مسارًا خطيًا، بل عملية مركّبة تداخل فيها العامل الأمني بالإيديولوجي، وأُعيد خلالها تشكيل النخب وتوجيه السياسات. غير أن هذا المسار لا يمكن فهمه دون التوقف عند مفارقة تأسيسية أساسية، تتمثل في طبيعة الانتقال من الاستعمار إلى الدولة الوطنية.
إذا كان المقال السابق قد انشغل بتشخيص التحوّل العميق الذي تمرّ به الأمة، والتنبيه إلى طبيعته المركّبة التي تمسّ الوعي والقيم قبل السياسة والجغرافيا، فإن استكمال هذا النقاش يقتضي الانتقال من توصيف اللحظة إلى مساءلة أدوات التعامل معها. فالأحداث، مهما بلغت حدّتها، لا تصنع التاريخ وحدها، بل تصنعه المجتمعات التي تمتلك القدرة على الفهم، وترتيب الأولويات، وبناء الإنسان القادر على التفاعل الواعي مع التحوّلات، لا الانفعال العابر معها.
تعود المعارضة البرلمانية في موريتانيا، من حين لآخر، إلى الواجهة بطلب إنشاء لجنة تحقيق برلمانية تحقق في بعض الملفات. ولا يعبر طلبها اليوم عن شيء، بقدر ما يثير سؤالًا جوهريًا هو: هل نحن أمام سعي حقيقي للإصلاح، أم إعادة إنتاج خطأ دستوري سبق أن دفع الوطن ثمنه غاليا؟
لم يعد من الممكن النظر إلى ما يجري حولنا بوصفه سلسلة أحداث متفرّقة، ولا الاكتفاء بتفسيره بمنطق السياسة الآنية أو ردود الأفعال العابرة. فالأمة اليوم تعيش تحوّلا حقيقيا، تحوّلا يتشكّل ببطء ولكن بثبات، تحوّلا يمس الوعي قبل أن يمس الخرائط، ويطرق أبواب النفوس قبل أن يظهر في موازين القوى. تحوّلا تتداخل فيه السياسة بالتاريخ، والعقيدة بالواقع، والسنن الربانية بحركة البشر.